الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

111

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

منهم نفس باقية أو بتأويل فرقة ، أي ما ترى فرقة منهم باقية . ويجوز أن تكون باقِيَةٍ مصدرا على وزن فاعلة مثل ما تقدم في الحاقة ، أي فما ترى لهم بقاء ، أي هلكوا عن بكرة أبيهم . واللام في قوله : لَهُمْ يجوز أن تجعل لشبه الملك ، أي باقية لأجل النفع . ويجوز أن يكون اللام بمعنى ( من ) مثل قولهم : سمعت له صراخا ، وقول الأعشى : تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت * كما استعان بريح عشرق زجل وقول جرير : ونحن لكم يوم القيامة أفضل أي ونحن منكم أفضل . ويجوز أن تكون اللام التي تنوى في الإضافة إذا لم تكن الإضافة على معنى ( من ) . والأصل : فهل ترى باقيتهم ، فلما قصد التنصيص على عموم النفي واقتضى ذلك جلب ( من ) الزائدة لزم تنكير مدخول ( من ) الزائدة فأعطي حقّ معنى الإضافة بإظهار اللام التي الشأن أن تنوى كما في قوله تعالى : بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا [ الإسراء : 5 ] فإن أصله : عبادنا . وموقع المجرور باللام في موقع النعت ل باقِيَةٍ قدم عليها فصار حالا . [ 9 - 10 ] [ سورة الحاقة ( 69 ) : الآيات 9 إلى 10 ] وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ ( 9 ) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً ( 10 ) عطف على جملة كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ [ الحاقة : 4 ] . وقد جمع في الذكر هنا عدة أمم تقدمت قبل بعثة موسى عليه السلام إجمالا وتصريحا ، وخص منهم بالتصريح قوم فرعون والمؤتفكات لأنهم من أشهر الأمم ذكرا عند أهل الكتاب المختلطين بالعرب والنازلين بجوارهم ، فمن العرب من يبلغه بعض الخبر عن قصتهم . وفي عطف هؤلاء على ثمود وعاد في سياق ذكر التكذيب بالقارعة إيماء إلى أنهم تشابهوا في التكذيب بالقارعة كما تشابهوا في المجيء بالخاطئة وعصيان رسل ربّهم ، فحصل في الكلام احتباك .